عظيمات أنجبن عظماء

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 16 يناير 2020 - 9:35 مساءً
عظيمات أنجبن عظماء
|حشد نت|

كتبت / غيداء الخاشب

لم يكن لبريق النصر أن
يلمع إلا بصبر تلك القلوب الحانية ، ولم تكن هذه الأرض عصيةً إلا بجهاد وتحمل تلك الأرواح النقية ، نساء عظيمات صابرات سهرن وجاهدن وتحملن ، جففن دمع الوداع بكفوفهن الحانية ، غلفن قلوبهن بالصبر ببركات الدعاء لله والاعتصام بحبله ، ربين فلذات أكبادهن صغاراً فيذودن عنهم ويحرسنهم حتى لايصيبهم مكروه ، ولكن ما إن أذن الله لهم بالنفير حتى سلمن الأمر لخالق الأكوان وأودعناهم في رعاية من حفظهم صغاراً وكبارا ، من بين أولئك العظيمات امرأة عظيمة دفعت بفلذات كبدها لميدان المواجهة وأوصتهم ألا يعودوا إليها سوى بالنصر أو الشهادة فعاد أحدهم شهيدا وبقي الآخر يحمل راية الدفاع عن الأرض والعرض بدلاً عن أخيه ،يعاهده بالمضي قدماً في دربه فإما أن يلحق به وإما أن يكون النصر على يديه وأيدي رجال الله المخلصين …

والدة الشهيد / عبدالملك محمد يحيى أبو علي(أبو علي رامي)

امرأة عظيمة، سخية، قدمت فلذة كبدها في سبيل نصرة دين الله، مجاهدة من ضمن المجاهدات الكُثر اللواتي يقفن وراء رجالهن بالزاد والمال، يقمن بعمل جهادي متعاون إما بعمل الكعك أو طهي الطعام من أيديهن المباركة، لتصل أعمالهن تلك إلى من قدموا أرواحهم فداءً لدين الله ولنصرة آل محمد، فتستريح قلوبهم، وتقوي أجسادهم، بفضل الله ثم بفضل أولئك النساء الشامخات.

كانت أم الشهيد “عبدالملك”متعلقة بإبنها الشهيد لكن الله عصم على قلبها وأمدها الصبر والعون، لذلك كان لسانها يردد في الأماكن التي تذهب إليها الذكر الكثير وتذكر قصة وحياة شهيدها البطل، التي طالما أحبته وأعطته حنان الأم، تحكي بطولاته وجهاده بصبر وفخر، لكن داخلها يكتوي حزنًا ، تحكي وتسرد عما يجول بخاطرها ،لأخواتها المجاهدات، وهن يتمتعن بسماع قصص شهداء بذلوا أرواحهم لله، وهن في أعمال عظيمة يُقدمنها لمثل هكذا رجال، وفي إحدى الأيام وكالمعتاد ذهبت أم الشهيد المناضل لعملها اليومي الجهادي، بهمة عالية ، ونشاط حيوي، وهي على استعداد لتحكي لأخواتها عن قصة شهيدها، وصلت إلى المكان المعتاد والمجاهدات على فارغ صبرهن يُردن السماع للقصة بتركيز ،مع إتقان للعمل.

بدأت تحكي عن شهيدها قائلةً : أيتهُا الأخوات إبني الشهيد عبدالملك، ربيتهُ صالحًا ،تقيًا ،منذ ولادته بتاريخ 1997م في محافظة صنعاء، وعندما صار شابًا أصبح محبوبًا لدى الجميع عُرف بذو الوجه البشوش والفطنة والأمانة والكرم والشجاعة،متواضع لدرجة إن مر على الطريق يبتسم في وجه من يُصادفه سواء كان يعرفه أم لا ، شخص مغامر وخدوم للناس ، إن وكِل بعمل يُتقنه ويُخلص فيه. بدأ التحرك والعمل الجهادي بحماس في الـ15من عمره بداية ثورة 2011م في الجامعة الجديدة حاليًا، أي أنهُ كان متواجد في ميدان الساحة ،تأثر جدًا بالشهداء الذين سبقوه وتمنى أن يكون واحدًا منهم ، عند قيام ثورة 2013م ثورة تصحيح المسار من الضلال إلى النور ،تحرك بمنطلق الجد في هذه الثورة المباركة بذل قُصارى جهده في العمل الجهادي مع الجيش واللجان الشعبية الذي يعملون في التأمين المستمر للطريق ، ليلاً ونهارًا ،ليس هناك راحة جسدية عمل متواصل،عبء كبير عمل النهار بين حرارة الشمس والليل بين البرد الشديد،وكُل ذلك من أجل الحفاظ على حياة المواطنين.

ومع الإنصات الرتيب ساد الهدوء مع العمل المتواصل لكن أم الشهيد صمتت بعد أن كادت الدموع تغشي رؤية عيناها لكنها ابعدتها برفق ثم نظرت إلى الجميع وهن بانتظار أن تُكمل ، أردفت قائلة :
عندما بدأت الحرب على اليمن الحبيبة، لم يذهب للتأمين إنما انطلق لأخذ الدورات الثقافية والعسكرية ، ثم قام بتجهيز العتاد وفارقنا مُنطلقًا نحو جبهة تعز مايُسمى بمنطقة كرش، استقر هناك لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا ونحنُ لانعلم ماحاله؟ والأفكار السيئة تُراودنا، فعاد سالمًا مُعافى فأطمئنت قلوبنا بمجيئه، لكنهُ مكث أسبوعين ثم هرول شوقًا للجبهة على عكس الذين عادوا معه إلى أهاليهم لكنهم تخاذلوا وتراجعوا عن الجهاد لأعذار تافهة كالتعب أو ماشابه ذلك، استقر شهيدي في الجبهة ذاتها جبهة تعز ثم انتقل إلى جبهة الضالع وفق أوامر القيادة هو وبعض الأفراد، مكث حوالي سبعة أشهر في جبهة الضالع، يُجاهد ويُنكل بالأعداء ، وعاد إلينا بقصص بطولية رأها بأم عينيه مكث أسبوع لاغير، ثم ذهب متحركًا بمسؤولية للضالع حيثُ كانت مهمته هذه المرة إيصال الزاد إلى رفقائه في الجهاد، كُلف بعدها بعمل ترتيب شؤون الأفراد المجاهدين ، لأنهُ كان يعمل بإخلاص واستشعار للمسؤولية لإرضاء الله سبحانه وتعالى، برغم أنهُ لايزال ذو ال18 ربيعا ، تيقنت بأن القرآن يُربي رجالًا حتى إن كانوا صغارًا، أُصيب شهيدي في جبهة الضالع في اليوم السادس من شهر رمضان سنة 2015م، رصاصة دخلت يده ، تم إسعافه إلى تعز ثم قاموا بنقله لصنعاء مكث جريحًا حتى نهاية شهر رمضان الكريم ،وفي تلك الأيام دائمًا كان المشرف يتواصل بهِ هاتفيًا ويُخبره بأن الجبهة قد اشتاقت إليه والجميع في انتظار عودته، ما إن تماثل للشفاء ولأن جبهة الضالع حصلت فيها زحوفات شديدة فأضطر المجاهدين الانسحاب، لذلك توجه عبدالملك إلى محافظة صعدة وغابت أخباره عنا تمامًا لمدة شهرين ،اتصل هاتفيا لنا وأخبرنا بأنهُ بخير ولايطلب منا سوى الدعاء المستمر لهُ وللمجاهدين ومسامحته عن أي خطأ بدر منه وأنه سيترك صعدة ويتجه إلى جبهة جيزان “الخوبة”.

داهم الوقت المجاهدات وأصبح متأخر وبقي القليل لإكمال عملهن لذلك قالت أم الشهيد بهدوء:”هيا لا يجب علينا أن نتقاعس في عمل سبيل الله لنُكمل العمل ونعود إلى منازلنا وغداً لنا لقاء لنُكمل قصتنا التي بدأناها” ولاتنسين ذكر الله والدعاء وقراءة الفاتحة والإخلاص للمجاهدين
تحركت الأيادي المباركة للعمل مسرعة وأكتمل العمل بمهارة أياديهن، وعدن إلى منازلهن يحملن شوقاً كبيراً لعمل وقصة الغد.

في صباح يوم جديد، ذهبن المجاهدات إلى عملهن، وأكملت لهن أم الشهيد حكاية إبنها.. قائلة :كان يتصل بنا أحياناً ويخبرنا بأن نرسل له مبلغ من المال .
في إحدى الأيام سألته : يابُني أين الرعاية التي يُعطونكم أياها في الجبهه ؟
أجاب برأفة: لماذا هذا السؤال يا أمي ؟
إنني انفقها على رفاقي في الجبهه لأن البعض منهم لايملك سواها فيُعطيها لأسرته ويبقى هو دون شيء وأنا كنت لا أرد أحد منهم عندما أراهم محتاجين .
تعجبت آنذاك من جوابه،كان عظيم. فقد كان يوصيني على مواصلة الجهاد ودعم المجاهدين بالكعك والمال . يوم أمس أخبرتكن بأن شهيدي أخبرنا بأنهُ ذاهبٌ إلى جبهة جيزان، فمكث هناك سنتين متتابعتين، ونادرًا ماكان يقوم بزيارتنا. في أحد المرات زارنا ومكث إسبوع فقط طلبت منه أن يمكث وقت أطول فقال والله لو تقطعوني على قطعه قطعه لن اتأخر يوم واحد.
وفي إحدى الأيام اتصل بنا وقال لنا بأن المشرف الذي كان معه المُلقب بأبو رامي قد أستشهد وهو حاليًا يقوم بأعماله إلى أن يتم اختيار مشرف آخر على المنطقة.
كان قد جُرح سابقًا في تعز وهاقد عاد من جيزان جريحًا مرة أخُرى في عملية اقتحام جبهة الحدود حيثُ أُصيب برصاصة في كتفهِ الأيمن بعد أن نكل باعداء الله لكن الحمد لله لم تكن الاصابة بليغة ، والحمدالله تم إسعافه للمستشفى القريب ، ثم عاد إلى صنعاء ومكث فيها ستة أشهر. تماثل للشفاء وأرسلوا لهُ خبراً بأنهم يريدون أن يجعلوه مشرفًا على منطقة الخوبة بحكم خبرته ومرافقته للشهيد المشرف أبو رامي. عندما حدثني بأنهم يريدون أن يجعلوه مشرفا قلت له بأنني كنت قد حلمت قبل سنة ونيف، بأنك تطير في السماء وحولك خمسه نجوم تُضيء لك ، بمعنى أن حلمي تحقق وأنك ستصبح مشرفًا.
اندهش مني ثم قال بثقة “هل تعتقدين يا أمي بأنني إذا أصبحت مشرفًا سأرتاح؟ على العكس أي مشرف يتحمل مسؤولية على عاتقه، هو عمل سنُسأل عنه يوم القيامة “. كلامه كان في منتهى القمة، أعجزني عن الكلام. فقلت له الله يوفقك.
عاد لجبهة جيزان، وبعد أسبوعين أشتم رائحة الشهادة وشعر بإقترابها فقال لصديقه”أبو زين”:يارفيقي أنا سوف استشهد قريبًا بإذن الله لأن عندي إحساس بالشهاده هل ترى في وجهي نور الشهاده؟
لم يعرف رفيقه مالذي يجيبه فأجاب:يا ابوعلى لاتتكلم بهذا الكلام لا تطلق التشاؤم على نفسك!
نظر إليه عبدالملك نظرات عميقة قائلًا: “سأستشهد قريبًا يارفيقي فإنني أشعر بذلك”.
اتصل بي وقال لي الكلام ذاته وقلت له: الحمدلله ياولدي الله يرضى عليك ويرزقك الشهادة . مر أسبوعين وتصرفاته كانت غريبة مع الجميع، وكأنه يودع هذه الأرض بما فيها ليلتحق بركب الشهداء العظماء ،ذهب إلى صعدة لتوديع الأحباب والأقرباء وطلب منهم المسامحة وأخلى عهدته من الديون التي كانت عليه وأخبرهم بقرب استشهاده. تحدث معهُ أخي _أي خال الشهيد _ وقال له بمزاح: يا عبدالملك لاتكون طيب قوي لأن الطيبون يصطفيهم الله شهداء.
ابتسم عبدالملك وقال: مع الله ياخال أحنا في سبيل الله. ..

الجميع في تمعن لأم الشهيد وهي تحكي بنبرات صوت حزينة شاحبة أكملت :
فعلًا بعد ثلاثة أيام وصل لنا خبر استشهاد إبني البطل الشهم الذي لم ولن أنساه إلى يومنا هذا ، في جبهة جيزان الذي كان قد جُرح فيها سابقًا أستشهد تحديدًا في يوم الجمعة بتاريخ 2017/8/18.
عصم الله قلبي برغم محبتي الكبيرة لإبني ، حمدت الله وشكرته على هذا الإصطفاء ، وشجعت إبني الآخر على مواصلة الجهاد في الجبهة الداخلية ،
كان شهيدي عبدالملك يوصيني دائماً بالإنفاق المستمر ، وعمل الكعك للمجاهدين وعدم ترك هذا العمل مهما كلف الأمر ، وها أنا يا أخواتي كما تنظرن اطبق وصية إبني المجاهد ،سلام الله على روحه الطاهرة، الزكية وعلى جميع الشهداء.

أكملت أم الشهيد، والنساء كن في حالة إنسجام مع قصة الشهيد عبدالملك وعندما أكملت ،اعتلى المكان بالصرخة المدوية.
وأكملن عملهن ، وأخرجن قافلة للمجاهدين بإسم الشهيد عبدالملك محمد يحيى أبو علي”.
********************

سلام الله على كل عظيمة بنت لبنة من العزة والكرامة والشموخ ، سلام على العظيمات اللاتي بصبرهن رأينا فضل الله العظيم تجلت في أرواحهن سيدة الصبر زينب فاكتسين بحلمها وصبرها ونهلن من معارف علمها وقدمن فلذات أكبادهن. قرابين لله ولنصرة دينه بروح سخيةٍ صابرة ، فسلام عليك ياأريجاً فواحاً انتشر شذاه في كل بقاع الأرض وامتد عطاءك في جميع الجبهات .

#فريق_عشاق _الشهادة
#اتحاد _كاتبات _اليمن

رابط مختصر